‏عزير مات مئة عام ثم أعاده الله للحياة

فى معجزة لم تحدث لأحد من البشر من قبل ، مات قرناً كاملاً ، و استيقظ كما مات شاباً قوياً

القصة تعود لأكثر من ثلاثة آلاف عام

‏فى يوم حار فى قرية جافة تبعد عن بيت المقدس بضعة كيلو مترات يعيش بهذه القرية رجل إشتهر بالصلاح و العلم يُدعى( عُزير ) كان لعزير مزرعة بعيده عن قريته ، و كان يذهب إليها يوميًا ليسقى زراعته و يطعم أغنامه ، و مابين قريته و مزرعته مقبره كانت سابقاً مدينة بها حضارة عظيمة قبل أن تتحول لمقبرة تحيطها الركام

مضى عزير فى الطريق الذى إعتاد العبور منه بإتجاه حديقته لعله يدرك أغنامه قبل أن يصيبها الجوع و العطش ، فوصل إليهم فأطعمهم و سقى حدىقته ، و أغراه نضج التين و العنب فلم يتمالك نفسه فقطف من العنب و التين و ذهب بإتجاه حماره الذى لطالما صحبه فى حله و ترحاله ليعيده لقريته التى ولد فيها و احتضنته

لكن الجو كان قاسٍ على عزير و حماره و كان التعب ينال من الحمار أكثر من عزير ، تباطأ الحمار فى سيره و لم يستطع إكمال المسيرة ، فوقف بجانب المقابر التى كانت فى السابق مدينة مزدحمه بالناس ، إستغل عزير هذه الفرصة حتى يريح نفسه و يريح حماره من عبء الطريق و يتناول طعامه ثم يكمل طريقه

‏دخل عزير للمقابر و أخذ يبحث عن مكان يحميه من أشعة الشمس ، فوجد المكان المناسب فربط حماره و أخرج طعامه و كان معه بعض الخبز الجاف و العنب و التين ، فعصر العنب و وضعه فى إيناء و وضع معه الخبز الجاف حتى يلين الخبز قليلًا و يستطيع أكله ، و أثناء إنتظاره للخبز أن يلين قرر التأمل فى المكان الذى يحيط به ، ‏الخراب يحيط به ، و المنازل المهدمة فى كل مكان ، و القبور التى مر عليها سنين منتشرة حوله ، و الأموات داخلها تحولت عظامهم إلى تراب ، و كل شىء صامت و ميت ، فأخذ يتأمل و يتفكر فى حالهم كيف إنقلب فجأة ، و أثناء تفكيره خطر بذهنه سؤال معين ، هذا السؤال غير حياته رأساً على عقب و غير حياته تغيراً جذرياً

‏قال عزير ( أنى يحيى هذه الله بعد موتها ) بمعنى كيف يحيى الله هذه الأرض بعد أن دُثرت و خربت و لم يبقى منها شىء ؟ تسائل عزير عن طريقة إحياء هذه الأرض ، هو لايشك بقدرة ربه لكنه متعجب من الطريقة التى يحيى الله بها هذه الأراضى الميتة ، و لم يكمل عزير هذا التساؤل حتى حدثت المعجزة العظيمة

‏فبعث الله ملك الموت فقبض روحه ، و بعد بضعة ليالٍ مات الحمار ، فتمدد الحمار بجانب صاحبه ميتًا ، و هرع أهل القرية للبحث عن عزير ، بحثوا فى حديقته و فى قريته و وصلوا إلى بيت المقدس ، و لم يبقى مكانًا إلا و بحثوا فيه ماعدا المقابر فلم يخطر على بال أحد أن عزير يرقد بها

‏إستمرت عملية البحث لشهور ثم لسنين حتى بدأ يتناسى الناس قصة عزير و أصبحوا ينقلونها كأسطورة من أساطيرهم و كقصة إختفاء مرعبة و غريبة ، حتى أبناءه نسوه و انشغلوا فى حياتهم ، فنسيه الكل ماعدا خادمة كانت تعمل فى منزل عزير ، و كان عمرها لايتجاوز العشرون عندما إختفى عزير

‏فمر العقد الأول ثم العقد الثانى و الثالث و يسحب معه الرابع حتى مرت عشر عقود ، قرنٌ كامل على إختفاء عزير مئة سنة بالتمام و الكمال ، فجاء أمر الله تعالى و أرسل ملكًا من ملائكته و أضاء النور فى قلب عزير ، فتحول جسده من التراب إلى العظام إلى اللحم إلى الجلد و استيقظ عزير بقدرة الحى القيوم

و نهض فى مكانه الذى مات فيه ، و أخذ ينظر حوله و تذكر أنه نام فى المقابر لكنه عجز عن معرفة عدد ساعات نومه بالضبط كم كانت ، فسأله الملك الذى بعثه الله ، كم لبثت ؟ فقال : لبثت يومًا أو بعض يوم

فقال له الملك : بل لبثت مئة عام ، أماتك الله مئة عام ثم بعثك لتعرف الإجابة على سؤالك

‏صُعق عزير من الذى سمعه و أصابته الدهشة و الرعب و شعر ببرودة تتسلل إلى أطرافه من شدة الخوف و الإستغراب ، لكن رغم كل مشاعر الخوف هذه كان هناك إيمان عظيم يسكن قلبه ، و يحتوى روحه إيمان بأن الله قادرٌ على كل شىء و هو أعلم بعباده ، و الخير كله فيما قدمه و اختاره سبحانه ، و بيده الموت و الحياة و البعث

‏قال الملك لعزير : ( انظر إلى طعامك و شرابك لم يتسنه ) بمعنى انظر إلى طعامك لم يفسد و لم يتغير رغم مرور مئة عام ، فوجد أن التين كما هو و أن عصير العنب الذى و ضع الخبز فيه لم يتغير و كأنه تركه منذ دقائق و ليس منذ مئة عام ، فُدهش عزير أكثر فكيف تمر كل هذه السنين و لم يتغير طعامه أبدا ،

شعر المَلك الكريم أن عزير فى حيرة و تعجب و كأنه غير مصدق ماحدث ، فقال له ( أنظر إلى حمارك ) فنظر عزير للحمار فلم يجد سوى تراب حماره و بقايا عظام هشة ، فنادى المَلك الحمار فتحول بقدرة الله إلى عظام ثم إلى لحم ثم إلى جلد ثم بعث الله فيه الروح و قام الحمار أمام أنظار عزير ، من الموت إلى الحياة مرة أخرى

‏شاهد عزير كيف أن الله يحيى الموتى أمام عينيه و كيف يستطيع الله جل و علا إحياء خلقه بعد موتهم ، فقال عزير بعد أن شاهد هذه الآية تحدث أمامه ( أعلم أن الله على كل شىء قدير ) ركب عزير حماره و إتجه لقريته التى ولد و كبر و ترعرع فيها ، عاد إليها بعد مئة عام ، فى مشهدٍ تعجز حتى العقول على تخيله ، ‏كل شىء تغير فى القرية ، البيوت تغيرت و الشوارع تغيرت و الناس تغيروا و الألوان و التفاصيل و كل شىء تغير ، و كأنه دخل قرية أخرى و ليست قريته التى ولد فيها و يحفظ معالمها و طرقها ، عزير خرج من القرية و هو إبن أربعون سنة ، و عاد إليها و هو إبن أربعون سنة ، لكن لا شىء بقى على حاله أبدا

‏إحتار عزير كيف يعلم أهل القرية أنه عاد ، و كيف يذكرهم بنفسه ، و هل أساساً سيعرفونه أم لا ، فقرر أن يبحث عن رجل عجوز أو إمراة مسنة لعلهم يذكرونه ، فأخذ يبحث لأيام عن من يتذكره و بعد بضعة ليالٍ عثر على إمرأة طاعنة بالسن ، إمرأة رآها لأخر مرة عندما كانت فى العشرين و كانت تخدمه فى بيته

‏عثر عزير على خادمته و كانت قد بلغت المئة و العشرون عام و فقدت بصرها ، فاقترب منها و سألها أين منزل عزير يا امرأة ؟ فبكت العجوز و أخذت تتذكر عزير و أخلاقه و علمه و قالت إختفى منذ زمن و لم يعد ، فقال لها : أنا عزير أماتنى الله مئة عام ثم بعثنى ، لم تصدقه العجوز ، كانه يقول شىء عجيب لا يصدقه بشر

فأرادت أن تختبره إختبارًا صعبا ، فهى كانت تعلم أن عزير مستجاب الدعوة حاله كحال الأنبياء و الصالحين فقالت له إن عزيرًا كان مستجاب الدعوة فادعوا الله أن يرد لى بصرى فدعا عزير الله أن يرد بصرها ، فاستجاب الله لدعوته و رد إليها بصرها و قوتها ، و شاهدته و عرفت أنه عزير فراحت تركض و هى تبكى

‏و أخذت تنادى فى كل أرجاء القرية و تقول إن عزير قد عاد ، فُدهش الناس مما تقول و ظنوا أن شيئًا أصاب عقلها فاجتمع العلماء و الحكماء فى مجلسٍ خاص ليناقشوا هذا الأمر العظيم ، و كان من بينهم حفيد عزير ( إبن إبنه ) فقرروا إختبار عزير ليحددوا صدقه ، فجاء إليه أحد الحكماء و سأله قائلاً له : نسمع من آبائنا أن عزير كان يحفظ التوراة ، و التوراة تحديدًا كانت قد ضاعت فى حروب و فساد كان فى المئة عام المنصرمة و التى مات فيها عزير ، فأخبر الحكيم عزير أن التوراة قد ضاعت و عزير الذى سمعنا عنه كان يحفظ التوراة فى صدره ، فادرك عزير أن التوراة إنقطعت تماماً عن القوم ، فذهب عزير إلى الظل و أخذ يكتب التوراة حرفًا حرفًا و كلمة كلمة حتى إنتهى من كتابة التوراة كاملة و سط ذهول من الناس و دهشة ، و ما أن إنتهى من الكتابة حتى آمن الناس به و صدقوه ، لكن مهمة عزير لم تنتهى بعد ، فعزير كان قد خبأ نسخة من التوراة قبل أن يموت فى مكانٍ ما خوفاً أن تطالها أيدى الفاسدين

فقرر أن يستخرجها من مكانها و يقارنها مع التى كتبها حتى يتأكد من خلو كتابته من أى خطأ ، لكنه صُدم عندما وجد أن التوراة التى خبأها قد إختفت ، فعرف عزير و استوعب أن الله لم يميته فقط حتى يريه كيف يحيى الموتى ، بل أيضًا حتى يخرج و يكتب للناس التوراة بعد أن ضاعت بسبب الحروب

‏و بعد أيام قليلة كعادة بنى إسرائيل إدعوا أن عزير إبن الله ، و ضلوا عن الطريق الحق كعادتهم ، بل و بعضهم قارن عزير بموسى ، و قالوا موسى جاء بالتوراة فى كتاب ، أما عزير فجاء بالتوراة بدون كتاب ، و ظلموا موسى عليه السلام ، و ادعوا أن عزير إبن الله و ضلوا ضلالًا عظيما

قال تعالى : و قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ و قَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُون ( التوبة / 30 )

العلماء إختلفوا حول عزير ، منهم من قال هو نبى ، و منهم من قال هو رجلٌ صالح

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.