رواية واقعية عن حياة آل أوفقير.. من حياة القصور للسجون

مين هم أسرة أوفقير؟
هي أسرة الجنرال المغربي محمد أوفقير، الساعد الايمن للملك الحسن الثاني في المغرب، لحد ما حاول ينقلب عليه وفشلت محاولته واتقتل فوراً. لحد هنا قصة عادية..
لكن يبدو ان قتل أوفقير لوحده مكنش كفاية فتم رمي أسرة الجنرال كاملة في السجون لمدة 20 سنة.
طبعاً كانت هناك بعض التكّهنات حول سبب عقاب الأسرة بهذا الشكل القاسي.. احنا نتكلم هنا حرفيا عن أم وأطفال أصغرهم كان عنده سنتين لما بدأت رحلة عذابهم وأكبرهم كانت مراهقة في التاسعة عشرة من عمرها.
قيل أن السبب هو بعض التصريحات الصحافية غير الحكيمة التي أدلت بها الأم (فاطمة الشنا) للصحافة بعد موت زوجها على طول تحت تأثير الصدمة..
وقيل أيضا أن السبب الحقيقي هو ان الملك كان يظن أنها (وهي اللي كانت صديقة مقربة للقصر الملكي) كانت على علم بالانقلاب الذي يدّبره زوجها ودعمته فعاقبها هي وولادها بهذا الشكل.. (فاطمة الشنا التزمت طوال حياتها بإنكار علمها بالانقلاب حتى وفاتها قبل سنوات).
أما مليكة (الابنة الكبرى لأوفقير اللي عاشت طفولتها في القصر الملكي لأن الملك كان أباها بالتبني) فكانت تلوم نفسها لسنين وتعتقد انها هي اللي كانت السبب في ماسأة أسرتها لأنه بعد مقتل أبوها بعتلهم الملك أكل من القصر كما تقتضي عادات العزا لكنها رفضت الأكل وطردت الحرس الملكي.
على كل حال، مهما كانت الأسباب، فالنتيجة كانت واحدة. أسرة أوفقير عوقبت بقسوة.
عشرون عاماً من العذاب
في البداية، اتحطّت الأسرة في الاقامة الجبرية في بيتهم لحد ما انتهت فترة الحداد (4 اشهر و10 أيام)، وبعدها صدر الأمر بابعادهم وحبسهم.. ولمدة 15 عاماً تنقلت الاسرة من سجن للتاني ومن معتقل سري لآخر في أعماق الصحراء الكبرى في الجنوب المغربي..
كانت الأسرة مكوّنة من:
الأم (36 سنة)
مليكة (19 سنة)
مريم (17 سنة)
رؤوف (15 سنة)
ماريا (10 سنين)
سكينة (9 سنين)
عبداللطيف (سنتين ونصف)
رافقتهم خادمتان: عاشورا (37 سنة) وحليمة عبودي (18 سنة) اللي عاشوا في نفس الجحيم مع الأسرة بلا ذنب.
عانوا كلهم من أهوال الحبس وسوء التغذية والمياه الملوثة، في البداية كان عالأقل مسموح لهم بالبقاء مع بعض في مكان واحد لكن بعد كدا فرقوهم في زنزانات فردية ومنعوهم من أي تواصل لدرجة انهم كانوا يشوفوا بعض من خلال انعكاسات المية الراكدة في الزنزانة. أيوا.. كانوا بيضحوا بشوية المية اللي بيوفرها لهم السجانون ويسكبوها عالارض بين الزنازين وبعدها يوطوا عالارض ومن خلال الانعكاس البسيط تشوف الأم بنتها.. وتشوف الأخت أخوها.. ويتطمنوا على بعض وفضل دا وسيلة التواصل الوحيدة لسنين.
في فترة من الفترات، قبل الحبس الانفرادي، سمح بعض الحرّاس للطفل عبداللطيف بتربية الحمام لكن الكولونيل المسؤول عن المعتقل زعل لما عرف وأمر الحراس بذبح حمامتين كل يوم أمام عين الطفل وعائلته امعاناً في التعذيب.
نبوءة العرّاف
في السنين الأولى من حبسهم، وكانوا أيامها محبوسين مع بعض في سجن من حجرتين ومطبخ صغير وحمام ومكنوش في زنازين انفرادية لسه.. كان المأمور المسؤول عنهم يتعامل معاهم بقسوة لكنهم اكتشفوا انه كان يخفي وراء قسوته شعوراً عميقاً بالعار حين فقد أعصابه ذات يوم وصرخ فجأة عليهم:
“حرام والله.. أنا راجل كبير قضيت أكثر من 40 سنة مكّلف بادارة المعتقلات والسجون.. دنا كنت مسؤول عن آلاف السجناء… كنت اسم يخاف منه اي حد.. وجايين دلوقتى على آخر عمري يقولولي احبس ستات واطفال.. دا ايه العار دا!”.
المهم أصبح المأمور بعد الموقف دا أقل قسوة وأكثر لطفا لدرجة أنه أحضر لهم ذات يوم عرّاف لتسليتهم. فتحلقّت الأسرة المنكوبة حول العرّاف يسألونه عن مصيرهم ومتى سيخرجون .. وردّ عليهم فيما معناه:
(لسه بدري اوي.. لكن المعجزة هتحصل.. والعالم كله هيتكلم عنكم وهيعرفكم. بس مش دلوقتى ولا في اي وقت قريب.. الماسأة لسه مكملة وهتطّول لدرجة انكم هتيأسوا وتفتكروا انها مش هتخلص.. بس هتخلص وتعدي).
قالت مليكة ان كلمات العراف اتحفرت جواهم وانهم طول سنين الحبس وفي كل مرة يصابوا فيها باليأس أو يوشك أحدهم على الانهيار كانوا يفتكروا كلمته ويطّمنوا بعض: (زوين زوين.. سنخرج وستكون معجزة المعجزات.. سيتحدث العالم عنّا).
الهروب الكبير
كبر الأطفال في السجن ووصلوا سن الشباب.. وعلى عكس أمهم اللي كانت تأمل في عفو ملكي، أدركوا أن مفيش حل تاني غير الهروب.
رحلة هروبهم تستحق يتعمل منها فيلم هوليوودي.. قرروا انهم هيحفروا نفق طوله 6 أمتار يمتد أسفل زنزانة خالية مجاورة لزنزانة البنات لأنها تطّل على حقل فاضي خالي من الحراسة.
وعشان النفق دا يتعمل كان لازم أنفاق أخرى أصغر تتعمل.. من زنزانة البنات (مليكة، مريم، ماريا، سكينة) للزنزانة الخالية.. ومن زنزانة الأم وعبداللطيف للخالية.. ومن زنزانة رؤوف للخالية.. ومن زنزانة حليمة وعاشورا للخالية. اتمام كل هذه الانفاق + النفق الكبير استغرق ما يقارب السنة واستخدموا فيها أدوات بدائية (ملاعق، مقبض سكين، أغطية علب التونة، قضيب حديد انتزعوه من الأسرّة، أي حاجه ممكن تساعدهم)..
الهروب من السجن جهد شاق.. كانوا يبدأوا في حفر النفق من أول ما يحلّ الظلام وينزوي الحرّاس في نقاط الحراسة بتاعتهم لحد الساعة 4 الفجر كل ليلة.. كل ليلة.. عملوا سيستم ذكي للتخلص من الحجارة والتراب وكذلك لاغلاق النفق كل ليلة قبل الفجر كي لا يجده الحراس.. فقدوا أظافرهم وذكرت مليكة ان بعضهم حصلت له تسلخات والتهابات جلدية بسبب جهد حمل الحجارة والتراب كل ليلة.
وأخيرا، بعد 15 سنة سجن (11 سنة منها في زنازين فردية)، في ليلة ظلماء بلا قمر من عام 1987، تسلل 4 من أبناء أوفقير وعبروا النفق للجهة الاخرى. المتسللين كانوا مليكة (اللي أصبح عمرها وقت الهرب 34)، رؤوف (30 سنة)، ماريا (25 سنة)، وعبداللطيف (18 سنة). الأم ومريم كانتا في حالة صحية متردية جدا، أما حليمة وعاشورا فخافوا ان يطلق عليهم النار حين يتم القبض عليهم وكانت عاشورا بالذات عانت قبلها من انهيار عصبي لسنين جعلها في وضع صحي صعب.. واختارت سكينة الشجاعة (24 سنة) انها تفضل مع أختها المريضة وانها تقوم بالمهمة الصعبة في غلق النفق ورا اخوتها والتمويه على الأنفاق الصغيرة بين الزنازين عشان تديهم أكبر وقت ممكن قبل ما يكتشف الحراس طريقة هروبهم.
استمر هروب الرباعي حوالي 4 أيام تمكّنوا فيها -في أحداث لا تليق الا بسيناريو هوليوودي عجيب- انهم يتنقلوا من أقصى الصحرا اللي كانوا محبوسين فيها الى الدار البيضاء ثم الرباط ثم طنجة حيث قبض عليهم أخيراً.. وبسبب الضجة اللي حصلت بعد هروبهم، اتحط الملك في وضع محرج منعه من اعادتهم للمعتقل (وفي روايات أخرى قيل انه تأثر وفجع حين علم بالاوضاع اللي عاشوا فيها طول السنين دى في المعتقلات وكان قد نساهم تقريبا)..
على كل حال لم يعودوا للمعتقل وبدلاً من ذلك اتحطّوا في اقامة جبرية في ظروف أحسن بكتير من ظروف السجن لمدة 5 سنوات زيادة قبل أن يتم اطلاق سراحهم أخيرا في عام 1991.
نبوءة العرّاف تتحقق
رحلة الهروب العجيبة هذه، وان لم تمنح أسرة أوفقير الحرية التامة ساعتها لكنها فعلاً عرفّت العالم كله عليهم..
كان الرباعي الهارب تمكّن من التواصل مع احدى الاذاعات الفرنسية من تلفون فندق بطنجة قبل أن يلقى عليهم القبض. تبنّى العاملون في الاذاعة قضيتهم، وانتشرت قصتهم في كل العالم حتى يقال انه لم تبقى صحيفة في فرنسا وأوروبا لم تكتب عن الأسرة… وواجه الملك ضغوطا عالمية لحد ما أفرج عنهم واستطاع بقية الأبناء الهجرة الى فرنسا بينما استقرت الام وعبداللطيف في المغرب.
في السنوات اللاحقة، اتكتب كتير عن الأسرة… قيل أن هناك جهات ساعدتهم على الهرب.. قيل الحرّاس.. وقيل بل رجال نافذون في الدولة.. وكلها تكهنات لم تثبت صحتها.. وتظل قصة هروبهم المعجزة التي تنبأ بها العرّاف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.